مع انتقال إندونيسيا تدريجياً نحو عاصمتها الجديدة نوسانتارا (Nusantara Capital City – IKN)، لا يتعلق المشروع ببناء مدينة جديدة على الخريطة فقط، وإنما يطرح سؤالاً أكبر: هل يمكن لمدينة حديثة أن تُبنى منذ البداية بطريقة أكثر استدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل؟

على مدى عقود، ارتبط اسم جاكرتا بالاقتصاد والحياة السياسية في إندونيسيا، لكنها واجهت في الوقت نفسه تحديات حضرية متزايدة، من الازدحام والضغط على البنية التحتية إلى الفيضانات وهبوط بعض مناطقها. ومع تسارع النمو الحضري، أصبحت فكرة إنشاء عاصمة جديدة فرصة لإعادة التفكير في الطريقة التي يمكن أن تُخطط بها المدن وتدار بها مواردها.

في هذا السياق، جاءت نوسانتارا كواحدة من أكثر التجارب الحضرية إثارة للاهتمام في إندونيسيا. فالمشروع لا يقتصر على نقل المؤسسات الحكومية، وإنما يرتبط برؤية لإنشاء مدينة حديثة تراعي البيئة وتدمج الطبيعة مع التخطيط الحضري والتكنولوجيا ووسائل النقل الحديثة.

وهنا تظهر أهمية الاستدامة. فالمدينة المستدامة لا تعني ببساطة وجود عدد أكبر من الأشجار أو الحدائق، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل طريقة استخدام الأراضي، وحماية المناطق الطبيعية، وإدارة الموارد، وتطوير البنية التحتية، وتوفير وسائل نقل أكثر كفاءة، إلى جانب إشراك المجتمع في القرارات التي تؤثر في مستقبل المدينة.

وفي دراسة علمية حديثة حول مستقبل نوسانتارا، برزت أربعة محاور رئيسية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في بناء مدينة أكثر استدامة: التخطيط الحضري المستدام، والبنية التحتية الخضراء، وحماية البيئة، والتنقل الذكي. وترتبط هذه المحاور بعدد من أهداف التنمية المستدامة، خصوصاً ما يتعلق بالمدن والمجتمعات المستدامة، والعمل المناخي، وحماية النظم البيئية.

وتبرز البنية التحتية الخضراء كأحد العناصر المهمة في هذا النموذج؛ فالمدينة المستقبلية تحتاج إلى التعامل مع الطبيعة باعتبارها جزءاً من بنيتها الأساسية، وليس مجرد مساحة متبقية بين المباني. المساحات الخضراء، وإدارة المياه، وحماية الأنظمة البيئية يمكن أن تلعب دوراً في جعل المدينة أكثر قدرة على التعامل مع التغيرات المناخية والضغوط الناتجة عن النمو السكاني.

أما التنقل، فهو جانب آخر يمكن أن يحدد مدى نجاح أي مدينة جديدة. فكلما اعتمدت المدينة على تخطيط أفضل للنقل وربط أكثر كفاءة بين مناطقها، أصبح من الممكن تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة وتحسين جودة الحياة اليومية للسكان. ولهذا ظهر التنقل الذكي كأحد الاتجاهات المهمة في الدراسات المرتبطة بمستقبل نوسانتارا.

لكن بناء مدينة مستدامة لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها. تشير نتائج الدراسة إلى أهمية الحوكمة التشاركية والتعاون بين التخصصات وتطوير سياسات مرنة، لأن المدن ليست مجرد مبانٍ وطرق وأنظمة تقنية، وإنما مجتمعات يعيش فيها الناس وتتقاطع فيها احتياجات اقتصادية وبيئية واجتماعية مختلفة.

وهذا يجعل تجربة نوسانتارا مثيرة للاهتمام على مستوى أوسع من إندونيسيا. فمع استمرار المدن حول العالم في مواجهة الازدحام والتغير المناخي والضغط على الموارد، قد تصبح المدن الجديدة فرصة لتجربة أفكار مختلفة قبل تكرار الأخطاء نفسها التي واجهتها المدن القديمة.

وربما يكون السؤال الحقيقي في السنوات القادمة ليس فقط هل ستنجح إندونيسيا في بناء عاصمة جديدة؟، وإنما هل ستنجح في بناء مدينة يستطيع الإنسان والطبيعة أن يتعايشا فيها بطريقة أكثر توازناً؟

من البحث العلمي إلى «كوكب مرح الأخضر»

هذا المقال يستند إلى دراسة علمية منشورة في مجلة Sustainable Futures عام 2026، بعنوان:

Building a sustainable future for Indonesia’s new capital, the Nusantara capital city (IKN)

للاطلاع على الدراسة العلمية والمنهجية والنتائج بالتفصيل:
اقرأ البحث العلمي كاملاً:

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2666188826000766