
في يومٍ حزين خيّم فيه السكون على الوسط الفني من المحيط إلى الخليج، ودّعت الساحة الغنائية قامة باسقة وعموداً من أعمدة الطرب الأصيل؛ رحل الفنان الكبير هاني شاكر، “أمير الغناء العربي”، بعد رحلة عطاء امتدت لأكثر من نصف قرن، صاغ خلالها وجدان أجيال متعاقبة بصدق مشاعره وعذوبة صوته. وبعد صراع مرير مع المرض، وفي إحدى مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس، أسلم “الأمير” الروح يوم الأحد الماضي، لتُطوى بذلك صفحة من أنقى صفحات الفن المصري والعربي، في خبر لم يكن عابراً بل صدمة هزّت قلوب محبيه الذين رافقوه بالدعاء طوال فترة مرضه، التي واجهها بصبر وشجاعة بعيداً عن صخب الأضواء. لم يكن هاني شاكر مجرد مطرب صاحب حنجرة ذهبية، بل كان مدرسة في الرقي الفني، فمنذ انطلاقته القوية في السبعينيات وتحت أنظار العمالقة كالعندليب عبد الحليم حافظ، استطاع أن يحجز لنفسه مكانة خاصة، محافظاً على الكلمة الراقية واللحن الشجي، ليبقى خير سفير للفن المصري في زمن تغيّرت فيه الموازين. كما عُرف بمواقفه الإنسانية ودوره القيادي في نقابة المهن الموسيقية، حيث دافع عن الذوق العام وسعى للحفاظ على هوية الغناء العربي، ما جعله أكثر من مجرد فنان، بل رمزاً للأخلاق الفنية. واستقبلت القاهرة جثمانه بدموع الحزن في جنازة مهيبة شارك فيها كبار الفنانين والمحبين الذين احتشدوا لوداع صوتٍ رافقهم في لحظات الحب والوجع، ليبقى رحيله الجسدي مجرد غياب، فيما حضوره الفني لا يزال حيّاً في أغانيه التي ستظل تتردد في كل بيت، مؤكدة أن الكبار لا يرحلون، بل يخلدون بما قدّموه. وداعاً هاني شاكر… وداعاً يا من علّمتنا كيف يكون الحب فناً، وكيف يكون الفن أخلاقاً.

